ابن عربي
439
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 41 ] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) [ في المر المطلوب ] اعلم أن الأمر ظهر من بطون وبالعكس ، ومتى قوي الظاهر نقص الباطن ، وبالعكس ، فالظاهر مؤثر في الباطن محيل للمستمد منه إليه ، وبالعكس ، كل ذلك بإذن اللّه ، ولذلك أمر اللّه تعالى زكريا عليه السلام بصمت ثلاثة أيام وأن يأمر قومه بالذكر بكرة وعشية ، ليسوي بذلك ظاهره مع وجود باطنه ، فيحيى ، ويستعين بذكر قومه لمناسبتهم إياه ، إذ كانوا لا يصلحون للصمت ، فالذكر أولى بهم لأنه كان شيخا كبيرا فانيا ، وامرأته عاقرا ، فأصلحها اللّه له بوجود الحيض ، واستثنى من الكلام الرمز ، والأثر موجود من الإشارة والرمز كما هو موجود من نظم الحروف في النطق ، والرمز إشارة بكلام لا يفهمه إلا المرادون به ، فإنه الكلام الذي يعطي ظاهره ما لم يقصده قائله ، فإن الرموز ليست مرادة لأنفسها ، وإنما هي مرادة لما رمزت له ، ومواضعها في القرآن آيات الاعتبار كلها ، وكذلك الإشارة والإيماء ، فالرمز ما يقع بالإشارة ، فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب ، بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج الكلام فيها إلى قرينة حال ، والنكر والحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجيه فيه إلى أمور مثل ما رمز الشاعر في التعريف بالنار من غير أن يسميها فقال : وطائرة تطير بلا جناح * وتأكل في المساء وفي الصباح إلى قوله : إذا ماتت تجارح والداها * فترجع حية عند الجراح يريد بالوالدين الزناد ، فهذا هو الرمز في النار ، وقال الآخر في العين وطائرة تطير بلا جناح * تفوق الطائرين ولا تطير إذا ما مسها الحجر استكنت * وتنكر أن يلامسها الحرير